مجمع البحوث الاسلامية

488

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الصّورة كأيّ لفظ تحيط به القرينة اللّفظيّة أو العقليّة على إرادة خلاف ظاهره ، ليتّخذ اللّفظ لنفسه ظهورا ثانويّا ينسبق معناه إلى الذّهن تماما ، كما هو المعنى الحقيقيّ . وهكذا نتمثلّ المسألة في الآية المنسوخة الظّاهرة في امتداد الحكم إلى آخر الزّمان ، كحكم حاسم شامل لكلّ امتدادات الزّمن ، فإذا جاءت الآية النّاسخة ، كانت دليلا على إرادة الحكم المحدود من تلك الآية ، ولكن اللّه أخّر تحديدها إلى زمن نزول الآية الأخرى ، بحيث تؤدّي المقارنة بينهما إلى وضوح الدّلالة ، فتتحوّل الآية المتشابهة في ذاتها إلى آية محكمة بلحاظ الآية المحكمة الأخرى . معنى التّشابه : وفي ضوء هذا ، نعرف أنّ التّشابه لا يعني المجمل الّذي لا يملك أيّ ظهور للفظ في المعنى ، كالألفاظ المشتركة وضعا ، أو المحاطة بقرائن مجملة توجب إجمالها ، بل المراد به اللّفظ الظّاهر في معنى معيّن في الظّهور الأوّليّ ، الّذي يراد به معنى آخر ببركة القرينة الواضحة الّتي تمنحه ظهورا ثانويّا ، بحيث لا يشكّ السّامع أو القارئ في مدلوله الحقيقيّ بعد ذلك تماما ، كما هي قرينة المجاز الّتي تلحق الكلام ، فتؤدّي إلى ظهوره في المعنى المجازيّ الجديد . المراد من إحكام آيات القرآن كلّه : وعلى هذا الأساس ، نفهم المراد من قوله تعالى : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ هود : 1 ، فقد وصف اللّه القران كلّه بأنّه الكتاب المحكم في جميع آياته ، فيخيّل للقارئ أو السّامع أنّ هذا مناف للآية المذكورة في عرضنا هذا ، لأنّها تقسم الكتاب إلى قسمين : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فإنّ المراد من إحكام آيات القرآن كلّه ، هو مجموع الآيات الّتي لا تختلف مداليلها ، بل تتكامل عند ضمّ بعضها إلى بعض ، فيكون بعضها مفسّرا لبعضها الآخر وشارحا له ومبّينا للمعنى الواقعيّ الّذي أريد منه ما ورد على خلاف ظاهر اللّفظ في معناه الموضوع له ، ما يؤدّي به إلى الوضوح في النّتائج الحاسمة في نهاية المطاف ، فيكون القرآن كلّه محكما بطريقة مباشرة في بعض آياته ، وبطريقة غير مباشرة في البعض الآخر . معنى قوله تعالى : كِتاباً مُتَشابِهاً : وبهذا يتبيّن معنى قوله تعالى في وصف الكتاب في آية أخرى بأنّه « متشابه » وذلك قوله تعالى : كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ الزّمر : 23 ، فإنّ المراد بالمتشابه هنا ، هو الكتاب المنسّق في آياته ، الّذي يشبه بعضه بعضا في تبيان الحقائق ، وتركيز المعارف ، ودقّة المعانيّ ، وتناسق الآيات ، وبلاغة الأسلوب ، بحيث يفسّر بعضه بعضا ويكمّل بعضه بعضا . آيات القرآن تتكامل فيما بينها : ولولا هذه الملاحظة المذكورة الّتي ترجع المتشابه إلى المحكم ، وتجعل من المحكم قاعدة فكريّة تفسيريّة للمتشابه ، لكان القرآن في بعض آياته مجملا غامضا لا مجال للاحتجاج به ، أو للتّدبّر في آياته ، فكيف يكون